المقريزي
353
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ [ الأعراف / 137 ] فما ظنك يا أمير المؤمنين بشيء دمّره اللّه هذا بقيته ثم قال سعيد : لقد بلغنا أن أرضا لم تكن أعظم من مصر ، وجميع أهل الأرض يحتاجون إليها ، وكانت الأنهار بقناطر وجسور بتقدير ، حتى أنّ الماء يجري تحت منازلهم وأفنيتهم ، يرسلونه متى شاؤوا ويحبسونه متى شاؤوا ، وكانت البساتين متصلة لا تنقطع ، ولقد كانت الأمة تضع المكتل على رأسها فيمتلىء مما يسقط من الشجر ، وكانت المرأة تخرج حاسرة لا تحتاج إلى خمار لكثرة الشجر ، وفي قبة الهواء حبس المأمون الحارث بن مسكين . قال الكنديّ في كتاب الموالي : قدم المأمون مصر وكان بها رجل يقال له الحضرميّ ، يتظلم من ابن أسباط وابن تميم ، فجلس الفضل بن مروان في المسجد الجامع ، وحضر مجلسه يحيى بن أكثم وابن أبي داود ، وحضر إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد ، وكان على مظالم مصر ، وحضر جماعة من فقهاء مصر وأصحاب الحديث ، وأحضر الحارث بن مسكين ليولي قضاء مصر ، فدعاه الفضل بن مروان ، فبينما هو يكلمه إذ قال الحضرميّ للفضل : سل أصلحك اللّه الحارث عن ابن أسباط وابن تميم . قال : ليس لهذا أحضرناه . قال : أصلحك اللّه سله ، فقال الفضل للحارث : ما تقول في هذين الرجلين فقال : ظالمين غاشمين . قال : ليس لهذا أحضرناك ، فاضطرب المسجد وكان الناس متوافرين ، فقام الفضل وصار إلى المأمون بالخبر وقال : خفت على نفسي من ثوران الناس مع الحارث ، فأرسل المأمون إلى الحارث فدعاه ، فابتدأه بالمسألة فقال : ما تقول في هذين الرجلين ؟ فقال : ظالمين غاشمين . قال : هل ظلماك بشيء ؟ قال : لا . قال : فعاملتهما ؟ قال : لا . قال : فكيف شهدت عليهما ؟ قال : كما شهدت أنك أمير المؤمنين ولم أرك قط إلّا الساعة ، وكما شهدت أنك غزوت ولم أحضر غزوك . قال : اخرج من هذه البلاد فليست لك ببلاد ، وبع قليلك وكثيرك ، فإنك لا تعاينها أبدا . وحبسه في رأس الجبل في قبة ابن هرثمة ، ثم انحدر المأمون إلى البشرود وأحضره معه ، فلما فتح البشرود أحضر الحارث ، فلما دخل عليه سأله عن المسألة التي سأله عنها بمصر ، فردّ عليه الجواب بعينه ، فقال : فأيّ شيء تقول في خروجنا هذا ؟ قال : أخبرني عبد الرحمن بن القاسم عن مالك ، أنّ الرشيد كتب إليه في أهل دهلك يسأله عن قتالهم فقال : إن كانوا خرجوا عن ظلم من السلطان فلا يحلّ قتالهم ، وإن كانوا إنما شقوا العصا فقتالهم حلال . فقال المأمون : أنت تيس ومالك أتيس منك ، أرجل عن مصر . قال : يا أمير المؤمنين إلى الثغور ؟ قال الحق بمدينة السلام . فقال له أبو صالح الحرّانيّ : يا أمير المؤمنين تغفر زلته ؟ قال : يا شيخ تشفعت فارتفع . ولما بنى أحمد بن طولون القصر والميدان تحت قبة الهواء هذه ، كان كثيرا ما يقيم